يقول المثل الدارج: (اعْمَل الخَيْرَ وكُبَّ في البَحْر)! وهي عبارة تُوْهِم الإيجابيةَ ونَشْرَ الخير. ويقال: (افِعل الخير للخير)، أو (اعمَل ما يريح الضمير)... ولن أستعجل بقول: إن هذه العبارات ناقصة، أو إنها قد تصوغ الشخصية والمجتمع على الإلحاد، أو على الأقل على تَقَبُّل اللادينية، وقد تَصْرِفُ الإنسان عن ربه.
لَسْنا نُنْكِر أنّ أعمال الخير والبِرِّ تريح نفس وضَمير الإنسان الذي يَعملها، وتَسُدّ حاجةً إنسانية فيه هو قَبْل غيره، وأنها جميلة... ولكن:
° لماذا يخضع للحدود مَن يقدر على الانطلاق؟
° لماذا يرضى بالمنقطعِ المؤقتِ من يقدر على الاستمرار؟
° لماذا يقنع بالقليل الناقص من يقدر على الكمال؟
ولم أَرَ في عُيوبِ الناس عَيباً كَنَقْصِ القادرين على الكمالِ!
وعلى صعيد آخر يقصد بعضُ الناس من الأعمال التي ظاهرها الخير ومن العبادات: الحصولَ على السُّمعة عند الناس، وأن "يدخل التاريخ"، وأن يرى الناسُ عمله. وهذا في "المعيار الإسلامي" سلبي جداً إلى حدِّ أنه يُفسد فوائد العمل النفسية ويبطل أجره، ويصرف الإنسان عن الرقيّ في الصلة بالله الخالق إلى خطأ منهجي في التواصل مع المخلوق!
إذا كنت تستطيع أن تتعامل مالياً مع:
- إنسان مُفْلِس، قد عُرِضت ممتلكاتُه للبيع في "المزاد"، وحُكم عليه بالحَجْر، وهو مع كل ذلك غير مأمون وقد يخلف الوعد وينقض العهد.
- إنسان ثريٍّ مليء، صاحب اسم وشهرة، التعامل معه مضمون مكفول عادة، نال ثقة الناس بصدقه وأمانته.
فمع مَن منهما تتعامل؟
لا أظن أن هذا السؤال بحاجة إلى إجابة! وإن النموذجين هما مَثَل تقريبيّ، ولله المَثَل الأعلى؛ فالله سبحانه وتعالى هو الغنيُّ مالكُ الملك الذي لا يُخلِف الميعاد، وهو الحَكَم العَدْل الذي لا يُرَدُّ حُكمُه، فإرادته هي النافذة. وهو الذي حَرَّم على كل الناس الذين هم عبادُه أن يقصدوا غيره ويعبدوا سواه. والله هو الكريم الشكور الذي يعطي الأجر الكبير على الأعمال اليسيرة؛ ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يُخْلِفه﴾[سبأ: 39].
ومِن كَرَم الله سبحانه وتعالى أنه كلفنا بأداء الأعمال على الشكل الذي أمر به؛ بإخلاص النية له وحده، ابتغاءً لرضاه وحبِّه وثوابِه بعيدًا عن الشركِ وقصدِ غيره. وبعد بَذْل الجهد الممكن سعياً لتحقيق النجاح والأهداف يكون المُسلم قد برئتْ ذمته. ومن النتائج الإيجابية لهذه المفاهيم في حامِلِها ومعتقِدِها أنها:
ويستطيع كل واحد منا أن يتذكر أحداثاً معاصرة أو تاريخية فيها تصوير حيٌّ للإخلاص لوجه الله تعالى، والقرآن الكريم يحكي لنا قِصّة مِن حَصْر التعامل مع الله ولو كان شاقاً على النفس مخالفاً للهوى والميول النفسية؛ وإليك القصة:
كان أبو بكر الصدِّيق ثرياً ميسوراً وكان له قريب فقير اسمه مِسْطَح فخصص لمساعدته مبلغاً شهرياً. وقد روَّج عبد الله بن أُبَيّ بن سلول -رأس المنافقين- إشاعة فظيعة عن السيدة عائشة بنت أبي بكر التي هي أم المؤمنين زوجة رسول الله r؛ فاتَّهم ابنُ أُبي السيدةَ عائشةَ الطاهرة بالزنا! وتكلم بهذا القَذْف الفاحش والإفك المكذوب الذي لا دليل عليه بعضُ الأفراد منهم "مسطح" فتحرَّك في أبي بكر الشعور بأنّ المسيء إلى هذا الحَدّ ليس الأَولى بالإحسان، فَأْتَلى (حَلَفَ) أبو بكر: (واللهِ لا أنفق عليه شيئاً بعد الذي قال لعائشة). وهذا القرار الذي اتخذه أبو بكر حَقٌّ شرعي له، ولكنه ليس في المستويات العليا التي اعتاد أبو بكر t أن يرقى إليها دائماً، فأنزل الله تعالى آيات خالدات تبرِّئ السيدة عائشة الطاهرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ! لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾ [النور: 11، 12] ثم أكملت الآيات واصفة ذلك القذف المفترى بأنه "بهتان عظيم"، وإشاعة للفاحشة تستدعي اللعْن والعذاب الأليم في الدنيا والآخرة. وتنوعت أساليب تبرئة السيدة عائشة في 15 آية [النور: 11 - 26] مثل: الطيبون للطيبات، والطيبات للطيبين، أولئك مبرَّؤون مما يقولون.
ومما ورد ضمن هذه الآيات استنهاض همة أبي بكر للعفو ولعدم ممارسة حقه في منع تلك المساعدة للذي أساء إلى بنته، وللعفو فقال الله له: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 22] فقال أبو بكر: والله إني أحب أن يغفر الله لي. فأرجَعَ إلى مسطح ما كان ينفق عليه.
وما ذلك إلا لأنهم لم يكونوا يكبون في البحر، بل يعملون لأنهم يحبون الله ويرغبون في مغفرته ورضاه، وكل تصرف يصدر منهم كان لله ابتغاءً لرضاه وتطبيقًا لأمره وتحصيلاً لثوابه الموعود، وهذه قِمة الرقي الإنساني والتحرر من ضغوط الناس والشهوات إذا كانت منحرفة.
المنتدى ـ بيروت ـ الحمراء ـ مقابل AUBـ قرب مستشفى خالدي ـ بناية نازريان ط أرضي ـ تلفاكس: 751993/01
Homepage: www.islam-forum.net E-mail: forum@islam-forum.net