قديماً قال علماء الاجتماع والفلاسفة: (الإنسان مَدَنّي بطبعه)، واليوم غَزَتْ فلسفةُ "الفَرْدِية" وفيروسُ "الأنانية" أفكارَ الكثيرين وجَسَد الأمة حتى اختلطت المفاهيم. فهل التكافل والبَذْل الكريم: هو قيمة راقية تحقق مصلحة المنفِق والآخذ والمجتمع؟ أم الكَرَم: هو طَيْش وغباءٌ وتَبْديْدٌ للثروة؟
يمكن تنَاوُل هذا الموضوع من إحدى جهات ثلاث:
وهذا الأخير هو أكثرها دقة ومصداقية؛ لأنه توصيف قائم على أكبر قدر من المعطَيات, وبناء على ذلك يمكن أن ننطلق من المبادئ الآتية:
1. حقيقة الحياة الدنيا: إنّها ليست نهاية المَطاف، بل "الدنيا مزرعة الآخرة"، وبالتالي فلا بد من وجود كليهما في كل معادلة حول النجاح والسعادة... وأن يكون حجم كلٍّ منهما منسجماً مع قيمته الحقيقية الواقعية.
2. مَحَلُّ الإنسان من الإعراب: وهذا منعطف تتغير بحسبه القِيم؛ ففَرْق كبير بين من يعتقد أن الإنسان هو المِحور الأول والأخير لهذا الوجود، ومن يعتقد أنه مخلوق مكرَّم لِخالق معظَّم كلَّفه ليشرِّفه ولِيَحْمِيَه وينفعَه.
3. وظيفة الإنسان في الدنيا: هي عبادة الله بالمعنى الشامل الحقيقي، بِطاعةِ أمره وتَرْك نَهْيه، وعِمارة الأرض، وإقامة العدل، والقيام فيما جعله الله من المستَخْلَفين فيه من المال والجاه والكون، ارضاء لله واستعداداً للجزاء.
فعندما نُعيد النظرَ إلى شؤون حياتنا على ضوء هذه المنطلقات والمبادئ، ما هو موقفنا من التكافل والإنفاق، ومن الأنانية والإمساك؟
كل هذا التحفيز، وغيرُه كثير، هو وسيلة لمواجهة النفوس البشرية التي تَضْعف أمام ميلها إلى المال ﴿وإنه لِحُبِّ الخَيْر لَشَديْد﴾ فالإنفاق في سبيل الله تحقيقًا للنفع العام بإخلاص لله يتطلّب مجاهَدَةً للنفس وهِمّةً وقراراً جادًّا قويًّا.
ولا يعني ذلك أن الشريعة أوجبت على المسلم التنازل عن ماله كله، بل نظمت الشريعة النفقات الواجبات حيث يبدأ الإنسان بنفسه ثم بمن هو مسؤول عنهم ممن يعولهم مثل الزوجة والأولاد والوالدين وهكذا. ويُخْرِج من ماله الزكاة (2.5%)، ثم يتصدق بما زاد على ذلك على جهة الاستحباب، إلا إذا أوجبتْ ظروف خاصة؛ كالكوارث والمجاعات وتجهيز الجيوش (الراشدة لا المفسدة) وفك أسرى المسلمين والنهوض الحضاري بالأمة إذا عجز المال العام عن ذلك وطلب الحاكم العادل بتحمّل الأفراد لمسؤولياتهم.
ولا بد من الإشارة إلى أن وظيفة الدولة (والمجتمع والأسرة أيضاً) هي تأمين فرص العمل وتأهيل الأفراد للقضاء على البطالة عند كل قادر على الإنتاج بما يخدم نفسه وأمته (انظر مقال المنتدى: البطالة والتأهيل الاجتماعي) وبذلك تخف كثيراً مسؤولية متولّي التكافل.
من فوائد التكافل:
• إنّ التكافل يَرُصّ "الصف الداخلي" للمجتمع، ويَشُّد لَبِنات "السُّور الخارجي" ليقف حاجزاً مانعاً من المخاطر الغازيَة. فيصير فقراء المجتمع أفرادًا إيجابيين، وحُرَّاسًا لمال الأثرياء الذين أكرموهم.
• إن التكافل ينشر الأخوة والألفة، ويحرِّك الدورة الدموية للاقتصاد، ويرفع المعنويات ويُذهب الإحباط، ويطّهِّر ويزكي نفس المحْسِن من مرض البخل، ويحقق له سعادة المساعدة ورفع الكُرَب؛ وهو شعور لا يُوصَف.
• إن التكافل يؤمِّن مستقبل المُحْسِن "الغني اليوم" ليَجِد من يقف بجانبه إذا تغيَّرتْ أحواله أو أحوال ذُرّيّتِه من بعده ﴿ولْيَخْشَ الذين لو تَركوا مِن خَلْفِهم ذريَّة ضِعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله...﴾ (النساء: 9). وفي الحديث: "واللهُ في عَون العبدِ ما كان العبدُ في عون أخيه" رواه مسلم.
• إن التكافل يُكسِب الإنسان فضيلة الكَرَم والإحسان، ويعالج فيه أمراض البخل والشح التي تَحْرِمه من حب الله؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً ! الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ...﴾ [النساء: 36، 37] ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].
• إن "الصدقة" تَدُلُّ على "صِدْق" إيمان صاحبها وعلى فهمه لِذاته ولمعنى وجوده ولصلاحياته في المال الذي بين يديه. فالمال مال الله؛ قال الله تعالى: ﴿آمنوا بالله ورسولهِ وأنفقوا مما جعلكم مستَخْلَفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير﴾ [الحديد: 7].
اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين.
المنتدى ـ بيروت ـ الحمراء ـ مقابل AUBـ قرب مستشفى خالدي ـ بناية نازريان ط 3 ـ ص.ب: 5760/11 ـ تلفاكس: 751993/01
Homepage: www.islam-forum.net E-mail: forum@islam-forum.net